الأقتصاديةالأمنيةالثقافة والفنالرئيسيةالسياسيةالسيرة الذاتيةالعربية والدولية

بقلم سوسن الجزراوي صحفية وكاتبة عراقية

#بقلم_سوسن_الجزراوي_صحفية_وكاتبة_عراقية
المصادر العربية الاخبارية
السياسة والإنسان .. المعادلة الأصعب
في مقولة شهيرة للكاتب والصحفي البريطاني جورج اورويل ، يقول فيها : ( في عصرنا لايوجد شئ اسمه بعيدا عن السياسة ، كل القضايا هي قضايا سياسية ) ! وهكذا هي في كل العالم الغربي منه والشرقي ، فالسياسة لم تكن يوماً ما شأن عام تتم مناقشته في مجالس النخب أو المؤتمرات والقمم ، بل هي عنصر مهم يلامس حياة الإنسان مباشرة ، ومن ثم يحدد مسار استقراره أو أمنه . فالسياسة هنا لا تمر مرور العابرين ، بل تترك بصمتها على تفاصيل المعيشة ، وعلى صورة المستقبل في وعي الناس .

وشهدت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة ، سلسلة من الأزمات السياسية انعكست بشكل مباشر على الواقع الحياتي ، مثل الحروب الداخلية ، والنزاعات الإقليمية ، والتدخلات الخارجية ، وغيرها من العوامل التي حوّلت الإنسان إلى اكبر الخاسرين ، فملايين اللاجئين في دول عربية وعالمية لم يكن مصيرهم هذا نتيجة كوارث طبيعية ، بل حصيلة خيارات سياسية فاشلة وقاسية ، اخفقت في بناء دولة تتسع لمواطنيها .

ولم تتوقف آثار السياسة عند حدود الصراع المسلح ، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي .

فقرارات سياسية مشوشة ، أو اتباع اجندات خارجية ، أو غياب التخطيط ، ساهمت في ارتفاع معدلات البطالة ، وتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تمثل ( بيضة القبان ) ، اضافة الى تراجع الخدمات الأساسية في كثير من الدول العربية ، جعلت الإنسان يدفع ثمن سياسات لم يكن شريكاً في صياغتها يوماً ، ولا يملك أدوات حقيقية لمساءلة من اتخذها .

وفي الوقت الذي ترفع فيه بعض الخطابات الرسمية شعارات الاستقرار والامنيات بعالم بعيد عن القلق ، يجد المواطن العربي نفسه أمام واقع يتسم بتضييق المجال العام ، وتراجع فسحة الحريات ، وضعف المشاركة السياسية ، هذا الخلل بين السلطة والإنسان خلق فجوة عميقة بينهما ، وأنتج حالة من اللامبالاة أو السخط الصامت ، وهو ما يتعارض مع الاستقرار المرفوع كشعار لغياب لغة الحوار الشفاف .

و على الصعيد الإقليمي والدولي ، فالعالم العربي لم يكن بمنأى عن لعبة المصالح الكبرى اذ ان السياسات الدولية كثيراً ما تعاملت مع المنطقة كساحة نفوذ ، لا كفضاء إنساني ، فالأزمات العربية تدار بمنطق الاحتواء لا الحلول وهو ما جاء على حساب معاناة الشعوب ، وتحول الإنسان العربي إلى رقم في تقارير ، أو ورقة ضغط في صراع لا يملك فيه صوتاً ولا رأياً .

بدوره لعب الاعلام في اكثر من جهة متباينة ، فبين تبرير السياسات ونقل الواقع ، تضيع القصة الإنسانية في زحام تلك الخطابات .

الذي يبقى هو الوعي الشعبي المتنامي ، خاصة لدى الأجيال الشابة ، لتكون مؤشراً على رغبة حقيقية في إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والإنسان .

إن التحدي الأكبر في العالم العربي اليوم ليس فقط في تغيير السياسات ، بل في تغيير منطقها ، فالكثير من السجالات والارهاصات كان سببها الحقيقي هو ( المنطق ) فسياسة لا ترى في الإنسان غايتها النهائية محكوم عليها بإنتاج الأزمات ، أما التي تنطلق من اهتمامها بكرامة الإنسان وتضع العدالة والمشاركة في أساسا لها ، هي وحدها القادرة على بناء مستقبل أكثر استقراراً وقوة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار