الأقتصاديةالثقافة والفنالرئيسيةالسيرة الذاتيةالعربية والدوليةالمحليةمنوعة

بقلم_الكاتب_والمؤرخ_معتصم_المفتي

بغداد المدورة: جوهرة العمارة الإسلامية ونموذج السلطة العباسية في العصر العباسي الأول
#بقلم_الكاتب_والمؤرخ_معتصم_المفتي


​تعد المدينة المدورة” (أو مدينة السلام) التي بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بين عامي 145 هـ و149 هـ (762م – 766م) واحدة من أعظم الإنجازات العمرانية في التاريخ الإسلامي. لم تكن مجرد مدينة سكنية، بل مؤسسة عسكرية وإدارية صُممت لتمكين الدولة العباسية الفتية من السيطرة على طرق التجارة العالمية، والخروج من عباءة الحواضر المضطربة كالكوفة والبصرة.
​أولاً: الفلسفة التصميمية (لماذا الدائرة؟)
​يُجمع المؤرخون المعماريون على أن الشكل الدائري لم يكن وليد صدفة، بل استحضاراً لأنماط هندسية قديمة (مثل مدينة “جور” أو فيروز آباد الساسانية)، واستجابة لضرورات استراتيجية:
​الرمزية السياسية: الدائرة تعني التمركز؛ فهي تحيط بالخليفة كمركز للكون، وتوزع السلطة بالتساوي حوله.
​التفوق الدفاعي: الشكل الدائري يلغي “الزوايا الميتة” التي قد يستغلها المهاجمون، ويسمح بتوزيع القوات الدفاعية بشكل متماثل حول المحيط، مما يجعل اختراق أي نقطة معركة مكلفة للمهاجم.
​ثانياً: النظام المعماري والدفاعي (الهندسة العسكرية)
​تميزت المدينة بنظام “الدفاع متعدد الطبقات” لضمان أمن الخلافة:
​الخندق المائي: كان الخط الدفاعي الأول، ليس فقط للعزل، بل لتزويد المدينة بالمياه عبر القنوات التي ربطت دجلة بالفرات، مما جعلها مكتفية ذاتياً.
​الأسوار الثلاثة: كانت محصنة بثلاثة أسوار دائرية متداخلة، يزداد ارتفاعها وقوتها كلما اقتربت من المركز.
​نظام الباب المنكسر: صُممت المداخل بطريقة تمنع الدخول المباشر؛ فإذا دخل المهاجم من الباب الخارجي لا يجد طريقاً مستقيماً، بل ممرات ملتفة ومداخل محمية تُسهل صده.
​الفصيل: هو الفراغ المحصن بين السورين (الخارجي والداخلي)، وكان مخصصاً لتحرك القوات العسكرية بسرعة دون إعاقة حركة السكان.
​الأبواب الأربعة الرئيسية:
​تضمنت المدينة أربعة أبواب رئيسية تخرج منها طرق تؤدي إلى أقاليم الدولة، ولكل باب قبة عالية وغرفة مراقبة:
​باب الكوفة: (جنوب غرب) طريق القوافل للكوفة.
​باب البصرة: (جنوب شرق) طريق البصرة والخليج.
​باب خراسان: (شمال شرق) الطريق لبلاد ما وراء النهر.
​باب الشام: (شمال غرب) الطريق لبلاد الشام.
​ثالثاً: الهرمية الاجتماعية والتنظيم الداخلي
​كان المركز (اللب) مخصصاً للخاصة فقط، مما يعكس تلاحم السلطة الدينية والسياسية:
​المركز: يضم جامع المنصور وقصر الذهب (الخضراء)، ومنازل أبناء المنصور وقادة الجيش.
​الحلقة المتوسطة: تضم دواوين الدولة ومنازل كبار الموظفين والخدم.
​الحلقة الخارجية: كانت تخصص للثكنات العسكرية (قبل أن تنتقل الأسواق لاحقاً).
​رابعاً: النمو الاقتصادي والأرباض (خارج السور)
​نظراً لضيق المساحة داخل السور والازدحام، سرعان ما نمت “الأرباض” أو الضواحي، وأبرزها الكرخ:
​الكرخ: تحولت إلى رئة اقتصادية ضخمة ومجمع صناعي عالمي، حيث اشتهر الحي العتابي بإنتاج الحرير الملون، وكانت “دار القز” مركزاً لصناعة المنسوجات والورق.
​التوسع: امتد الكرخ لفرسخين (حوالي 10 كم)، مما جعل بغداد في أوج قوتها تضاهي أكبر مدن العالم في العصور الوسطى.
​نظام المياه: اعتمدت بغداد على نهر عيسى وقنوات دقيقة لجلب المياه وتصريف النفايات.
​خامساً: من وقف خلف هذا الإنجاز؟
​استعان المنصور بنخبة من العقول الفذة، مما جعل المدينة بوتقة انصهار ثقافي:
​المهندسون: مثل الحجاج بن أرطاة وعمران بن الفضل.
​المنجمون: الذين حددوا “الساعة المباركة” للبدء، مثل نوبخت الفارسي وماشاء الله اليهودي.
​العمال: شارك أكثر من 100 ألف عامل من مختلف أصقاع الدولة الإسلامية (خراسان، الشام، الجزيرة العربية).
​سادساً: الجدل الأثري (كرزويل وهيرتزفلد)
​تكمن صعوبة تحديد المواقع (مثل مكان جامع المنصور) في:
​التغيير المستمر: الهدم وإعادة البناء (مثل بناء المارستان في العصر البويهي) طمس المعالم الأصلية خلال 300 عام.
​غياب المسح الميداني: معظم الدراسات استندت إلى النصوص التاريخية.
​الترجيح: يُعد رأي “كرزويل” (Creswell) الأكثر إقناعاً، حيث يربط الجامع بباب خراسان لضرورات وظيفية وحركية للخليفة وحاشيته.
​لقد كانت “مدينة السلام” تجسيداً للطموح العباسي؛ فهي ليست مجرد أسوار وأبراج، بل كانت نموذجاً تخطيطياً حاول محاكاة مركزية الدولة في مركزية العمارة، ومع اندثار معظم هذه الأسوار، بقيت فكرة “المدينة المدورة” كأعظم مشروع هندسي في التاريخ الإسلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار