بقلم_الكاتب_والمؤرخ_معتصم_المفتي

رمضان في بغداد القديمة: عاداتٌ اندثرت وطقوسٌ لا تُنسى
#بقلم_الكاتب_والمؤرخ_معتصم_المفتي

ليالي رمضان في بغداد القديمة هي حكاية من ألف ليلة وليلة، مزيج فريد من الروحانيات والتقاليد التي لا تُنسى، حيث يتحول “الزقاق” أو “الدربونة” البغدادية إلى مسرح للحياة والتعاون والمحبة.
إليك لوحة لتلك الليالي التي لا تزال ذكراها تسكن وجدان كل بغدادي:
1-طقوس ما قبل الإفطار (التحضير للروحانية)
كانت الأجواء تبدأ بالتوتر الجميل قبل الغروب. أصوات “المحيبس” (لعبة شعبية) تبدأ بالارتفاع، ورائحة “شوربة العدس” و”الكبة الحلبية” تفوح من مطابخ الجيران لتختلط في الممرات الضيقة، فتعرف كل دارٍ ماذا تطبخ الأخرى.
2- صوت المسحراتي و”المجيدية”
كان “المسحراتي” بيده الطبلة وصوته الشجي يوقظ النائمين، ينادي بأسماء أرباب البيوت، وكأن الحي أسرة واحدة. وفي المقاهي البغدادية القديمة، كان “الحكواتي” أو القراص” يجلس ليروي قصص “عنترة بن شداد” أو “أبو زيد الهلالي”، حيث يجتمع الرجال بعد الفطور للشاي والاستماع بتلهف.
3- سهرات “المحيبس”
هي أيقونة رمضان في بغداد. كانت السهرات لا تكتمل إلا بـ “المحيبس”، حيث يتنافس الفرقاء من مختلف المناطق (مثل الكرادة، الأعظمية، الكاظمية، أو باب الشيخ). لم تكن مجرد لعبة، بل كانت احتفالية اجتماعية كبرى، يرافقها “المطرب البغدادي” وصوت “المقام العراقي” الذي يضفي رقيًا على الأمسية.
4- طبق رمضان البغدادي (سفرة الخير)
لم تكن السفرة تكتمل بدون:
شوربة العدس: سيد المائدة.
الطرشي البغدادي: الذي لا مثيل له.
الكبة: بمختلف أنواعها.
الزلابية والبقلاوة: التي كانت تُصنع خصيصًا في محلات الحلويات الشهيرة.
شاي السموار”: الذي لا يبرد حتى الفجر، برائحته الهيلية النفاذة.
5- التراحم والزيارات: في ليالي رمضان القديمة، كانت الأبواب مفتوحة دائماً. الـماعون يُرسل من دار إلى دار، والفقير لا يشعر بجوعه لأن صواني الخير” كانت تجوب الأزقة. كانت تلك الليالي تشع بمودة حقيقية لا تطلب مقابلاً، حيث يزور الجيران بعضهم البعض حتى ساعات متأخرة، وتتعالى الضحكات في الشناشيل.




