بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي

عبثية الحروب في عالم مضطرب
بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي
( في الحروب لا يموت الجنود فقط ، بل تموت أيضاً أحلام لم تُعطَ فرصة لتعيش )
نعم ، فمنذ فجر التاريخ والإنسان يعيش صراعاً متناقضاً بين رغبته في البناء وقدرته على التدمير ، فذات العقل الذي اخترع الأدوات ليزرع الأرض ويبني المدن ، اخترع أيضاً الأسلحة المدمّرة ليخوض الحروب ، لهذا تبدو هذه ( الحروب ) واحدة من أكثر الظواهر عبثية في حياة البشر ، فهي تبدأ بكلمات رنانة وشعارات قوية لكنها تموت في المقابر صامتة وسط دموع الأمهات وذكريات لا تزول بسهولة .
وبين البداية والنهاية يبقى السؤال الازلي الذي يرافق كل حرب : إذا كانت الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر دائماً فمن المستفيد حقاً ؟؟
وحتى نصل الى الجواب ، كان من الضروري ان ننظر إلى الحروب من زاوية فلسفية ، فقد تبدو المفارقة واضحة ! فالحرب غالباً ما تبدأ بقرار سياسي أو نزاع على حدود أو مصالح ، لكنها سرعان ما تتحول إلى مأساة يعيشها الناس العاديون ، الجندي الذي يقف في ساحة المعركة غالباً وأحلامه البسيطة ، الطفل الذي يسمع أصوات الانفجارات مذعوراً ولا يفهم معنى السياسة ولا أسباب الصراع ، لكنه يشعر بالخوف نفسه الذي يشعر به أي إنسان ، وهنا تظهر الحقيقة المؤلمة ، فالقرارات التي تغيّر مصير آلاف الناس تُتخذ أحياناً ولربما (( غالباً )) بعيداً عنهم .
لربما كانت الحروب منطقية إلى حد ما في الماضي ، فالوعي كان اقل ، والرغبة في الهيمنة كانت اكثر بشاعة ، أما حروب اليوم، فهي بلا استثناء عبثية تماماً ، هوجاء ، متغطرسة ، تستعرض عضلاتها وكأنها في حلبة للمصارعة (( الحرة )) وحولها آلاف المقامرين ممن يزايدون على الفائز ، ويضعون الانسان ، رهانهم الوحيد !
وبلا شك فان ( رعونة ) الحروب تتجلى حين تتحول السياسة إلى اندفاع غير مدروس ، فتُتخذ قرارات القتال بدافع البحث عن الهيبة أو الحسابات الضيقة ، لا المصلحة العامة ، وعندها تُستنزف الموارد وتُربك الدولة وتتفكك التوازنات الإقليمية ، وتخسر الشعوب استقرارها في هذا السياق ، فتصبح الحرب مؤشرا على فشل الحنكة والدراية السياسية ، لا ضرورة استراتيجية أو دفاعاً مشروعاً عن الاستقرار .
هذا ويخبرنا الواقع ، أن الشعوب هي الخاسر الأكبر في الحروب ، فالمدن تتحول إلى أنقاض وركام محزن ، الاقتصاد ينهار ، والسنوات التي كان يمكن أن تُبنى فيها المدارس والمستشفيات تضيع في دمار موجع ، ومع كل حرب تتراكم الخسائر التي لا تُقاس بالأرقام حسب ، بل بالمشاعر والذكريات والفرص الضائعة .
وما بين عائلات تفقد أبناءها ، وأطفال يكبرون في ظروف قاسية ، ومجتمعات تحتاج سنوات طويلة لتستعيد توازنها من جديد ، وشعوب تئن تحت وطأة المجهول ، يخيم صمت العزلة وصوت الفراغ والعزلة .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه دائماً هو : إذا كانت الشعوب تدفع هذا الثمن الكبير ، فمن هم المستفيدون ؟؟ في كثير من الأحيان تستفيد بعض القوى السياسية التي تعزز نفوذها في زمن الصراع ، أو جهات اقتصادية مرتبطة بصناعات السلاح وإعادة الإعمار ، وقد تحقق بعض الدول مكاسب استراتيجية أو سياسية ، ومع ذلك ، تبدو هذه المكاسب محدودة جداً إذا ما قورنت بالخسائر الإنسانية الهائلة التي خلفتها الحروب الهوجاء تلك .
ومن الناحية الفلسفية للصراعات الدموية التي نتحدث عنها ، تكمن ( عبثية الحروب ) في أنها تحاول حل المشكلات بوسيلة تخلق مشكلات أكبر ! فبدلاً من إنهاء النزاعات ، غالباً ما تزرع الحروب بذور نزاعات جديدة ، وكانها طاعون يصيب من يلامس حامله ، ولهذا يبدو التاريخ أحياناً وكأنه يعيد نفسه ، فالإنسان لم يتعلم دائماً كيف يختار الحوار بدلاً من السلاح ، بل عادة مايلغي تلك النعمة الربانية ويلهث خلف رصاصات طائشة ومدافع قاتلة وطائرات مدمرة .
وفي نهاية المطاف ، قد تعلن بعض الأطراف انتصارها بعد انتهاء الحروب ، لكن الحقيقة التي يدركها الناس مع مرور الزمن هي أن الانتصار في الحرب لا يمحو آثارها ، فالمدن تحتاج سنوات لتُبنى من جديد ، والقلوب تحتاج وقتاً أطول لتتعافى ، والقيم تبحث عن من يعيد امجادها ، وربما لهذا السبب يبقى السلام أعظم إنجاز يمكن أن تحققه البشرية ، فالقوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على خوض الحروب ، بل في الحكمة التي تقتلها قبل ان تبدأ ، لأن حياة الإنسان وكرامته يجب أن تكون دائماً أهم واسمى .



