بقلم كاتبة روائية وباحثة اثارية السيدة نور الشيشاني

كاتبة روائية وباحثة اثارية
السيدة نور الشيشاني 
مقالي بعنوان ( وجهة نظر) حاولت أن أعبّر عن كلمات تخرج من رحم الواقع لا لتعاتب بل تسعى إلى فتح بابٍ للحوار
في ظل ما نشهده من صراع وتغيب مقصود أو غير مقصود لهويتنا الثقافية واللغوية ،أدرك أن ماأطرحه قد يلقى قبولاً لدى البعض وامتعاضاً لدى آخرين، لكنني أضعه أمامكم كما هو وأترك الحكم لكم، أحبتي.بلاد الرافدين كانت وماتزال الموطن الأول للحضارات والفكر والثقافة والفنون، ومنها انطلقت أول أبجدية عرفها التاريخ، لتشكل ركناً لايضاهى في مسيرة البشرية وهذا الإرث العظيم يستوجب منا الفخر والاعتزاز، لكن المؤسف أن بعض أبناء هذه الأرض العريقة باتوا يتنكرون لجذورهم، ويسعون بوعي أو بغير وعي إلى طمسها من خلال محاكاة لهجات وأساليب دخيلة لاتمت إلى بيئتنا العراقية الأصيلة بصلة، أصبحت التحيات تتبدل بشكل لافت فبدلاً من (صباح الخير) أو (صباح العافية) نسمع (صباحو، مساؤو) وهي تعابير مستعارة من لهجات أخرى، حتى كلمات الامتنان تغيرت، فحلت (ولو، لبيك) مكان تعبيراتنا العراقية العميقة مثل: تدلّل، ابشر، هذا واجبي، مقصّر وياك… إلخ. أما العبارات العاطفية التي كانت تحمل نكهة محلية أصيلة، فقد تراجعت أمام بدائل دخيلة فغابت (فدوة لعينك او عمرك…الخ ) لتحلّ محلّها (فديتك أو تؤبرني او دخيل ربك) ولم يقف الأمر عند حدود اللغة، بل طال المظهر أيضاً ففي مناسباتنا الخاصة كحفلات الحنة والمهر والخطوبة كثيراً ماترتدي العروس أزياء هندية أو مغربية أو تركية، بينما تتمسك الشعوب الأخرى بأزيائها الفولكلورية بوصفها جزءاً من هويتها وحتى أسماء المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي باتت في أغلبها أجنبية أو مستوحاة من ثقافات أخرى وكأننا نتبرأ من خصوصيتنا ،وقد يقول قائل: ما الضرر في ذلك؟ أليست لدينا قضايا أكبر وأهم؟ نعم، لا أحد ينكر حجم التحديات التي نواجهها، لكن ضياع الهوية الثقافية لايقل خطراً عن أي تحدً آخر فالتفريط باللهجة الأم، وبالزيّ الشعبي والرموز التراثية، هو في جوهره تخل عن ركائز الانتماء وأنا بكل فخر أتمسك بلهجتي العراقية وأحرص على استخدامها في كل زمان ومكان، حتى على حساب الفصحى أحياناً، لأنني أراها مرآةً صادقة لروحي وهويتي . ولهجتنا، لمن لايعلم، امتداد للسومرية والأكدية والآرامية، وقد أثبتت الدراسات أنها من أكثر اللهجات العربية احتفاظاً بالمفردات القديمة التي نشأت في بلاد ما بين النهرين ،انظروا إلى شعوب شمال إفريقيا يكتبون بالأمازيغية في الشوارع والمؤسسات وقد نجح الأمازيغ في فرضها كلغة رسمية في المغرب رغم أن كثيراً من مفرداتها غير عربية وبعضها فرنسي الأصل، ومع ذلك يفتخرون بها أما نحن، فإذا سُئلنا: لماذا لانستخدم لهجتنا في المحافل الثقافية والإعلامية؟ جاء الجواب: لأنها غير مفهومة!! كيف ذلك ونحن نفهم اللهجات المصرية والسورية واللبنانية، ونبذل جهداً لفهم المغربية وغيرها؟ فلماذا لا نطلب من الآخرين أن يتعلموا لهجتنا أيضاً؟ إن ما أرجوه وأدعو إليه هو أن نحافظ على لهجتنا العراقية ونحترم زيّنا الفولكلوري، ونُحيي تراثنا بكل تجلياته، لاباعتباره ماضياً انقضى، بل هويةً حية تُقاوم النسيان وتُعزز الانتماء.
كما قال الشاعر عبدالمحسن الكاظمي:
من لم تكن أوطانه مفخراً لهُ
فليس له في موطنِ المجد مفخرُ
ومن لم يبنِ في قومهِ ناصحاً لهم
فما هو إِلا خائنٌ يتسترُ.




