الأقتصاديةالثقافة والفنالسيرة الذاتيةالمحليةالمقالاتمنوعة

بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي

الوعي المزيّف في عصر المنصات

#بقلم_الكاتبة_الاعلامية_سوسن_الجزراوي
في قلب التحولات الرقمية المتسارعة بشكل جنوني ، برزت ( الحسابات الوهمية ) كفاعل خفي يتجاوز حدود الاستخدام الفردي ليصبح أداة مؤثرة في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي ، فمع التوسع الهائل في منصات التواصل ، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد ساحة للتعبير الحر والعشوائي احياناً ، بل تحوّل إلى ميدان تتقاطع فيه المصالح ، وتُدار فيه حملات منظمة تستهدف الوعي الجمعي بطريقة مخادعة ، وتعيد صياغة اتجاهاته كما تخطط الاجندات المستفيدة .
وفي هذا السياق ، تتخفى هذه الحسابات الزائفة خلف هويات مصطنعة لتؤدي أدواراً تتراوح بين الترويج والدعاية ، وصولاً الى التضليل والتأثير المباشر في الرأي العام .
من ناحية اخرى لهذا ، تكمن خطورة هذه الظاهرة في قدرتها على إنتاج واقع مواز ، تُصنع فيه (( أغلبية وهمية )) ، تُستخدم كأداة ضغط سياسي أو وسيلة لإضفاء الشرعية على مواقف معينة ، وبهذا لا يقتصر أثرها على نشر المعلومات المضللة ، بل يمتد إلى تقويض الثقة بالمصادر الحقيقية ، وإضعاف النقاش العام ، وخلق حالة هجينة مقلقة من الارتباك المعرفي داخل المجتمع .
إن التعامل مع الحسابات التي تسعى للتظليل بوصفها تحدياً تقنياً فقط ، يُغفل جوهرها السياسي العميق ، ما يجعل من دراستها وتحليلها ضرورة لفهم طبيعة الصراع في العصر الرقمي ، حيث تُدار الحروب والصراعات بالكلمات والصور بقدر ما تُدار بالقرارات والسياسة .
في هذا السياق ، تتحول المعلومات من كونها أداة لنقل الواقع إلى وسيلة لإنتاجه بشكل متكامل ، فاغلب الحسابات الوهمية ، لا تكتفي بتشويه الحقائق ، بل تخلق سرديات بديلة وقصص غريبة قد تكتسب مع الوقت طابعاً من الشرعية الاجتماعية ، خاصة حين يتم تضخيمها عبر التكرار والتفاعل المصطنع ، وهنا تتقاطع الحدود بين الواقع الحقيقي والمزيف ، ليس بسبب غياب الحقيقة ، بل بسبب إغراقها في بحر من النسخ المتنافسة والمتنازعة بلا هوادة .
واذا ما توقفنا عند مستوى العلاقات بين الدول ، فإن الحسابات الوهمية تفتح المجال أمام نمط جديد من الحروب المعلوماتية ، حيث لا يكون الهدف تدمير القدرات المادية للخصم ، بل تشتيت ادراكه ، وزعزعة ثقته بذاته وبمحيطه .
ويتميز هذا النوع من الصراع بكونه منخفض التكلفة ، صعب التتبع ، وعالي التأثير ، ما يجعله أداة مثالية في بيئة دولية تتسم بالتعقيد والتداخل .
ونقف قليلا عند مسالة انتشار هذه الظاهرة ، والذي يطرح تحدياً عميقاً لمفهوم الشرعية ، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي ، فعندما يصبح من الصعب التمييز بين التفاعل الحقيقي والمصطنع ، تتآكل الثقة في الفضاء العام ، وتفقد المؤسسات جزءاً من قدرتها على تمثيل الإرادة الجماعية ، وهذا بدوره ينعكس على استقرار النظام الدولي ، الذي يقوم في جزء كبير منه على افتراض وجود فاعلين عقلانيين يتخذون قراراتهم اعتماداً على معطيات واضحة .
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في وجود الحسابات الوهمية ، بل في البيئة التي تسمح لها بالازدهار والانتشار ، فالتطور، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي ، يجعل من السهل إنتاج هويات رقمية مقنعة ، قادرة على التفاعل والتأثير بطرق يصعب كشفها ، ومع كل تقدم تقني ، تتسع الفجوة بين القدرة على التأثير والقدرة على الضبط ، مما يضع النظام الدولي أمام تحدٍ معقد وصعب .
وبناءً على ما تقدم ، لم يعد التعامل مع الحسابات الوهمية كظاهرة تقنية أو إعلامية كافياً ، بل صار من الاهمية ، النظر إليها كتحول استراتيجي في طبيعة القوة ذاتها ، كونها تعكس انتقالاً من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الإدراك ، ومن المواجهة المباشرة إلى التأثير غير المرئي ، وهذا التحول يفرض على الدول إعادة التفكير في أدواتها وخططها ، ليس فقط للدفاع عن مصالحها ، بل للحفاظ على تماسكها .
من هنا يمكن وصف الحسابات الوهمية بانها ليست مجرد أداة عابرة في المشهد الرقمي ، بل هي مؤشر على تحول أعمق في طبيعة السياسة الدولية ، ما يجعل من الوعي البشري ساحة للصراع ، ومن الحقيقة موضوعاً للتفاوض .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار