الأقتصاديةالثقافة والفنالرئيسيةالسيرة الذاتيةالعربية والدوليةالمحليةالمقالاتمنوعة

بقلم الكاتب والمؤرخ الاستاذ معتصم المفتي…

بقلم الكاتب والمؤرخ الاستاذ معتصم المفتي…
تكتسب أيام عيد الفطر في أحياء
بغداد القديمة نكهة استثنائية، فهي ليست مجرد مناسبة دينية، بل هي استحضار لذاكرة المكان الممتدة عبر القرون، من “باب المعظم” شمالاً إلى “باب الشرقي” جنوباً، ومن “الأعظمية” إلى “الكاظمية”.
​تتميز هذه الأيام بطقوس بصرية واجتماعية تعكس الهوية البغدادية الأصيلة:
​أولاً: مشهد صلاة العيد والسكينة الروحية
​تبدأ شمس العيد بالإشراق على منارات الجوامع التاريخية (مثل جامع الآصفية، المصلوب، أو الحضرة القادرية وجامع الحيدرخانة والاحمدي والقمرية ). يخرج الرجال بوقارهم المعهود، مرتدين القاط (البدلة الرسمية) مع الربطة، أو الصدرية البغدادية (السيدارة) التي تمنح المصلي هيبةً تاريخية تعود لثلاثينيات القرن الماضي، حيث يتبادلون التهاني بعبارات مثل “عساكم من عواده”.
​ثانياً: مائدة الفطور البغدادية “الريوق”
​بعد الصلاة، لا بد من المرور على محلات “القيمر” و”الكاهي” في الأزقة القديمة. يعتبر القيمر السدّة مع الكاهي العراقي الحار والعسل أو “الشيرة” هو المطلب الأول، حيث تصطف الطوابير بانتظار هذه الوجبة الملكية التي لا يكتمل العيد بدونها.
​ثالثاً: “دواريف” الصالحية والميدان وباب الشيخ
​في ساحات بغداد القديمة الفسيحة، كانت تنصب “الدواريف” (المراجيح الخشبية) و”چرخ الفلك” اليدوي. يمتلئ الجو بأصوات الأطفال وأغانيهم التراثية البسيطة، بينما ينتشر بائعو “شربت الزبيب” و”النامليت” والحلويات الشعبية مثل “المصقول” و”الحلقوم”.
​رابعاً: صلة الرحم في “البيوت البغدادية”
​تتميز البيوت القديمة بشناشيلها المطلة على الأزقة، حيث تجتمع العوائل الكبيرة في “الحوش” (فناء الدار).
​توزيع الكليجة: تُقدم “كليجة التمر” المحضرة بالهيل مع استكان الشاي “المهيّل”.
​العيدية: يحرص كبار العائلة على توزيع “الخردة” (العملات النقدية الجديدة) على الأحفاد، وهي لحظة ينتظرها الصغار بلهفة كبيرة.
​خامساً: النزهة المسائية وضفاف الدجلة
​في المساء، تتجه العوائل نحو ضفاف نهر دجلة، وتحديداً في مناطق مثل “شارع الرشيد” أو “شارع المتنبي” (رغم صبغته الثقافية، إلا أنه يكتسي بحلة احتفالية)، حيث الجلوس في المقاهي العريقة مثل “مقهى الشابندر” أو “الزهاوي” لاستذكار تاريخ المدينة العظيم بين جدرانها التي تحكي قصص بغداد وأسوارها القديمة.
​إن العيد في بغداد القديمة هو رحلة عبر الزمن، حيث يمتزج عبق التاريخ ببهجة الحاضر، وتظل تقاليد “أهل بغداد” هي الحارس الأمين لهذا الإرث الجميل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار