بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي

نحو عالم بلا مركز
بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي
وسط اختلال عالم السياسة ، والفوضى العارمة في العلاقات الدولية التي شكّلتها الصورة المنتمية للمدرسة (( الواقعية الجديدة )) ، وفي عالم تضطرب فيه اشكال التسلط ومحاولة تجنب الوقوع تحت أي هيمنة محتملة ، نرى ان الكثير من المؤشرات صارت تتارجح بين كفتي القوى المتوازنة ، وتلك الاخرى البعيدة عن ( التوازن ) بشكل كامل .
ويشير التأرجح هذا ، إلى تغيير كبير في توزيع ( القوة ) بين الدول ، مما يؤدي غالباً الى تغييرات في اغلب الاتفاقيات والاستراتيجيات العسكرية والسياسية ، ويُعد هذا المفهوم بالغ الأهمية لادراك كيفية تفاعل الدول وتنافسها ، والانقسامات التي ترافق هذا التوتر في المنحى العام ، وكيف يمكن أن يخلق سلاح ذو حدين ، اما الصراع من ناحية او التعاون من ناحية اخرى .
ومن المتعارف عليه ، ان هذه التحولات تنشأ اما من الحروب أو المعاهدات ، أو من التغيرات في القوة الاقتصادية وتأثيرها على الواقع السياسي ، ما يؤثر في النهاية على الاستقرار العام والسلام العالمي .
وهكذا فان العالم يشهد اليوم تحولات جذرية في هذه التوازنات ، لم تكن مألوفة حتى في المشهد الذي رافق الاحداث التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية أو انهيار المعسكر الاشتراكي ( على سبيل المثال ) ، كما ان التحول الحالي لم يعد يُدار عبر صراع مباشر ، بل عبر تفكك بطيء للهيمنة القديمة وصعود قوى جديدة توزّع النفوذ العالمي بطريقة أكثر تعقيداً وتداخلاً .
وعلى الرغم من ان الغرب وعلى مدى عقود طوال ، بقي محافظاً على موقعه كقائد للنظام الدولي ، بما فيهم الولايات المتحدة الامريكية ، واصر على ان يكون متحكماً بمؤسساته السياسية والمالية والعسكرية ، غير أن التحديات الداخلية التي واجهته وتواجهه اليوم ، نتيجة الانقسامات السياسية والضغوط الاقتصادية ، وتراجع النفوذ الأخلاقي ، حوّلت قدرته على قيادة العالم من الخطوط المتقدمة ، الى ماوراء الصفوف الوسطية ، وباتت تتقلص تدريجيًا ، أو على الأقل لم تعد مقبولة من قبل عدد متزايد من الدول .
وفي الوجه الاخر لمرآة السياسة ، ظهرت العديد من القوى ، مثل ( الآسيوية ) كمحور رئيسي وممثل حقيقي للقوة الجديدة ، ( الصين ) ، بثقلها الاقتصادي الهائل وقدراتها الصناعية والتكنولوجية المتقدمة بخطى متسارعة ، وأصبحت قادرة على التأثير في القرارات الدولية ليس فقط عبر التجارة أو الاستثمار ، بل عبر تقديم نموذج مختلف للتنمية البشرية وللقيادة بمفهوما العميق .
فوق ذلك فان الهند ، انتقلت من كونها دولة نامية ضخمة إلى قوة عالمية ناضجة تمشي بخطى واثقة ومدروسة ، وتمتلك اقتصاداً سريع النمو ، وجيشاً ذا نفوذ عسكري مؤثر وتمثيلا دبلوماسياً ، ما جعلها قادرة على اللعب على كل الأطراف دون أن تفقد استقلال قرارها .
وتأت روسيا ، ورغم التحديات الاقتصادية والعقوبات التي تواجهها ، لتكون عنصراً محترفاً في صياغة المعادلات الدولية ، خصوصًا في قضايا الطاقة والصراعات الإقليمية ، وباتت خبرتها في استخدام النفوذ السياسي تمنحها القدرة على إستفزاز النظام الدولي أكثر من قدرتها على قيادته ، ومن ثم ادخاله في أزمة يصعب تجاوزها .
اما الدول الأفريقية واللاتينية وجنوب آسيا ، فلم تعد تقبل أن تكون مجرد ساحات للتنافس بين القوى الكبرى وتصفيات حسابات مؤجلة بينهم ، بل أصبحت هي نفسها لاعباً يفرض شروطاً تؤهله للصعود الى دوري النهائيات ، وباتت هذه الدول تستثمر ثقلها السكاني ومواردها الطبيعية ومواقعها الجغرافية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في الوقا ذاته . هذا التحول أحدث نوعًا من إعادة التوازن حتى وان لم يعترف البعض .
وتلعب التحالفات الجديدة دوراً مهماً في رسم خريطة القوى وان تراجع الغرب لا يعني غيابه أو فقدانه القدرة على التأثير، فهو ما يزال يمتلك التكنولوجيا الأكثر تطورا والتحالفات العسكرية الأقوى ، والعملة الأكثر تداولًا في العالم .
وعلى مايبدو ، فأن العالم يتجه إلى مرحلة انتقالية طويلة قد لا تُحسم ببساطة حيث تتنافس القوى الصاعدة على إثبات وجودها ، وتعمل القوى التقليدية على الحفاظ على نفوذها ضمن موروث لايخضع للانقراض حسب تصور لايقبل النقاش حوله .



