الأقتصاديةالثقافة والفنالعربية والدوليةمنوعة

بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي

الإعلام وتأثيره في المجتمع
بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي
*******************************
يُعدّ الإعلام واحدًا من أكثر الأدوات تأثيرًا في المجتمعات الحديثة، التي باتت تهتم، أو بالأحرى تشغلها مواقع البث أيًا كان شكلها أو طبيعتها، سواء المرئي منها أو المسموع.
يلعب هذا المنبر الفكري دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام والإبحار بالسلوك الاجتماعي والثقافي والسياسي. إذ يريد أصحابه، إذا نجح، وتحديدًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نقل الأخبار والمعلومات، بالإضافة إلى وظائف متعددة، منها التعليم والترفيه ورصد الظواهر الاجتماعية، والتوعية العامة والتثقيف، وغيرها .
منظومة الإدراك
الإعلام، بشكل عام، لا يؤثر على المجتمع فقط فيما يقدمه، بل لكونه يُعلّم الناس أن يكتشفوا أنفسهم ويفهمون ميولهم عبر مشاهداتهم لفروعه وأنواعه، فكل رسالة إعلامية، وإن بدت بسيطة، قادرة أن تعيد تشكيل وعي المتلقي بذاته وبمن حوله .
وقد عرّفه بعض المختصين بالمرآة التي لا تعكس الواقع فقط، بل تصنع ملامحه، حين يسلّط الضوء على حدث ما، فإنه لا يُظهر الحقيقة كاملة، بل يختار الزاوية التي تجعل الحقيقة تُرى بطريقة معينة، وبمرور الوقت فإن المجتمع يبدأ في رؤية نفسه من خلال تلك الزاوية التي سُلط عليها الضوء .
لهذا السبب، يمكن القول إن تأثير الإعلام يكون كبيرًا هنا، لقدرته على التلاعب بمنظومة الادراك، كونه يغيّر كل ما نعرفه، وماهو مهم أن (نعرفه)، وبهذا فهو يبني الإطار الذي يولد فيه الرأي، ولايصنع الرأي فحسب .
تقنية رقمية
نحن اليوم أمام مدّ جارف من شبكات التواصل، وحزمٌ مرعبة من تفرعات منظومة الاتصالات، التي جعلت العالم ليس قرية صغيرة فقط، وإنما جمعته في بقعة صغيرة لا تتجاوز في حجمها كف اليد، فعندما دخل الإنترنت إلى الحياة اليومية نحو عام 1983، أصبحت إمكانية (الاتصالات العالمية) خارقة وأسرع مما نتخيل، وصار التحدث مع أي شخص على هذا الكوكب يتم عبر كبسة زر، كما يقال، وشاشة تختزل الأميال البعيدة لاغية حدودها، وكل هذا يجري لأغراض خاصة، إنسانية وشخصية، أو أعمال تجارية بحتة، أو غير ذلك، ماجعل الإعلام يعتمد بشكل مباشر على هذه التقنية الرقمية القادرة على تغيير مجريات الأمور، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو العلمية .
وفي مجتمع مليء بالأحداث والمتغيرات الآنية، يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في نشر المعلومات وتبادل الآراء والتأثير على المعايير كافة، وبالأخص المتعلق منها بالحياة اليومية للإنسان ومتطلباتها. بعض من هذه التأثيرات إيجابي، يتمثل بنشر المعلومات، وتوفيرها لعامة الناس، مثل الأخبار، والأحداث والتطورات، وتوقعات الطقس، والبورصة، وكل ما يحدث محليًا .
وعيٌ جمعي
كما يلعب الإعلام الإيجابي دورًا مهمًا آخر؛ تثقيف الجمهور، إذ تساعد وسائل الإعلام على توعية الناس في البلاد بالأحداث في جميع أنحاء العالم، وتساعدهم أيضًا على تعزيز المعرفة والفهم المتعلقين بموضوعات مختلفة، قد لا يمكنهم معرفتها لولا هذه الوسائل المتاحة .
ولأننا مجتمع يختلف عن المجتمعات الغربية، لم يكن الإعلام يومًا مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كان -وما يزال- أداة لصياغة الوعي الجمعي وتحديد ملامح الهوية الثقافية، فالشرق، بثقافاته الممتدة عبر تاريخ طويل، يقف دائمًا، وبحذر شديد، على حافة التوازن بين الأصالة والانفتاح، لأنه متمسك بالعادات والتقاليد والموروث الاجتماعي، طامحًا في ذات الوقت بالوصول إلى التقدم العلمي والتقني، والإعلام هو الريشة التي ترسم تلك الحدود بدقة بارعة .
روح الغرب
لقد اقتحمت التقنيات الإعلامية الحديثة مجتمعاتنا، محمّلة بروح الغرب ولغته، وصوره، وسرعته، وأجنداته غير المعلنة، وهنا بدأت تظهر فجوة بين ما يريد الناس أن يسمعوه وما يُراد لهم أن يصدقوه، فالإعلام في الشرق لا يكتفي بعرض الأحداث، بل يشارك في تفسيرها وتوجيهها وترسيخها في عقول المتلقين، وغالبًا ما يتقمّص دور الآمر الناهي، لا المراسل البسيط المحملة جعبته بالمعلومات فقط .
التحدي الأعمق في هذا المحور يكمن في التحوّل الثقافي الهادئ الذي يزرعه في وعي الأجيال، بعيدًا عن الصخب والازدواجية، فالمسلسلات، والإعلانات، ومواقع التواصل، لا تغيّر فقط ما نلبسه ومانسلكه او نتقنه من حوارات، بل تغيّر ما نعتبره طبيعيًا ومقبولًا بشكل يكاد يتفوق على المألوف في حياتنا .
وهنا، تحديدًا ، يصبح الإعلام أكثر نفوذًا من المدرسة والجامعة والبيت، وهذا تحول خطير، فهو يخاطب اللاوعي بلغة المتعة والترفيه، تدغدغ المشاعر والأحاسيس، وتكتب على جدرانها البيضاء ما تشاء من أفكار.
أسلحة فتاكة
مع كل ذلك، لا يمكننا أن نقلل من شأن الإعلام الشرقي، الذي لعب دورًا مهمًا في كسر أغلال الخطابين: الاجتماعي والسياسي، وإماطة اللثام عن قضايا المرأة، والحرية، والديمقراطية، والعدالة، والتعليم.
لكنه، في ذات الوقت، أسهم في خلق صورة مثالية غير واقعية عن الحياة، فصار الناس يعيشون بين واقع مأزوم بالتحديات، وصورة إعلامية منمّقة تُباع لهم كسلعة مثيرة، لكن بعيدة عن الحقيقة .
إن تأثير الإعلام على المجتمع الشرقي أصبح يُقاس بما يغيّره في رمشة عين، بل حتى بما يغرسه من تصوّرات بطيئة المفعول، يعيد غالبيتها تشكيل العقل الجمعي على مدى أجيال، والسؤال الآن :
هل سنمتلك يومًا إعلامًا يُعبّر عنا حقًّا؟ إعلامًا يبتعد عمّا يريد الآخر أن يوصله لنا؟ والاجابات لربما تقف حائرة أمام هذا الكم المهول من تطورات هذا المجال الفكري الذي يعتمد الكلمة والصورة والصوت، أسلحة فتّاكة تارة، وأغصان زيتون تارة أخرى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار