الأقتصاديةالأمنيةالثقافة والفنالرئيسيةالعربية والدوليةالمحليةالمقالاتمنوعة

بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي

الإعلام الحربي سلطة التأثير ومسؤولية الكلمة

الإعلام الحربي سلطة التأثير ومسؤولية الكلمة
#بقلم_الكاتبة_الاعلامية_سوسن_الجزراوي
في زمن السرعة الرقمية وتعدد المنصات ، تصبح الكلمة والصورة ، أدوات قادرة على دفع المجتمعات نحو التهدئة والعقلانية ، أو نحو الاستقطاب والتوتر ، خياران لا ثالث لهما ، فالاعلام لم يعد مجرد ناقل للاخبار ، بل اصبح فاعلاً مؤثراً في تشكيل الرأي العام ، والتحكم في بوصلة الاتجاهات .

من هنا تبرز الإشكالية الجوهرية والازلية ، هل يؤدي الإعلام دور ناقل محايد للأحداث ، أم أنه يسهم (( بشكل او بآخر )) في إعادة إنتاجها وتضخيمها ؟؟

ولان الموضوع حساس جدا ويستحق التفكير بامعان ، نستطيع ان نقول : ان الإعلام أثر في تأجيج المواقف ، وهو غالباً ما يرتبط بطريقة صياغة الخبر واختيار العناوين والرؤى ، فحين تُقدَّم الوقائع والتصريحات بلغة انفعالية ، وتُهمَل السياقات المفسِّرة، يتحول الحدث من واقعة سياسية أو اجتماعية إلى أزمة مفتوحة يصعب في كثير من الاحيان احتوائها ، كما أن الخطاب الصادم الذي لا يتيح مساحة للأصوات المعتدلة ، يعمّق الانقسام ويخلق ما يمكن تسميته ((فقاعات رأي)) ، يعيش فيها الجمهور على تغذية مستمرة للمخاوف والهواجس .

ولا يقتصر التأجيج على اللغة المباشرة ، بل يمتد إلى ترتيب الأولويات ، والاستعانة بالايحاءات والرموز ، فالإفراط في تغطية حادثة بعينها ، أو إعادة بث مشاهد صادمة بصورة متكررة ، يرسّخ الإحساس بالأزمة حتى لو كانت المعطيات تشير إلى محدوديتها .

كذلك، قد تؤدي عدم الدقة في التحقق من المعلومات ، إلى انتشار الشائعات ، وهو ما يضعف الثقة العامة ويزيد من هشاشة المشهد ككل .

في مقابل هذا ، نجد ان الإعلام يمتلك ذات الادوات ليؤدي ادواراً معاكسة ، فالتغطية المتوازنة ، التي تفسح المجال لوجهات نظر متعددة ، تسهم في تفكيك التوتر بدل تكريسه ، فعندما تُقدَّم الوقائع في سياقها التاريخي والقانوني ، يصبح الجمهور أكثر قدرة على فهم الاحداث التي تدور حوله ، يضاف إلى ذلك أن ( الإعلام ) يمكن أن يكون منصة للحوار لا ساحة للصراع .

الا أن مسؤولية الإعلام لا تنفصل عن مسؤولية الجمهور ، فالمتلقي الواعي ، القادر على التحقق والمقارنة بين المصادر وتحكيم العقل بطريقة متوازنة ، انما هو يجهض عملية التأجيج ، كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية مطالبة بتعزيز مهارات التفكير النقدي ، حتى لا يصبح الرأي العام أسيراً للعناوين المثيرة أو المقاطع المجتزأة وفق اهواء ومزاجيات ابطال القضية ممن هم متفرجين حسب او نقّاد مع وفق التنفيذ .

وهكذا ، فالتحدي الأكبر يكمن في التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وواجب المؤسسات الإعلامية في عدم الإضرار بالسلم المجتمعي وايصال ماهو متاح من معلومات ، بطريقة شفافة بعيدا عن الإثارة ، واعتماد نقد بناء لا يستخدم التحريض .

واخيرا ، وفي المحصلة ، يظل الإعلام قوة مزدوجة الأثر ، فهو يمكن أن يكون عامل تهدئة يعزز الفهم والحوار ويعمل على ارساء السفن المتنازعة على ارصفة الموانئ الآمنة ، ويمكن أن يتحول إلى محفز للاستقطاب ومحرّض سئ إذا غابت عنه المعايير المهنية ، ومن ثمّ، فإن مستقبل المجال العام مرهون بمدى التزام المؤسسات الإعلامية بأخلاقيات المهنة ، وبقدرة المجتمعات على ترسيخ ثقافة إعلامية مسؤولة تُقدّم الحقيقة بوعي ودراية ، لا بالانفعال .

وبلا شك فإن الحلم بعالم مليئ بالسلام ، قد يبدو ضرباً من الخيال ، لكن في وسط عالم تحكمه العقلانية ، يصبح هذا الحلم ممكن التحقيق إذا تظافرت الجهود ، والإعلام ، بما يملكه من قدرة على التأثير ، يستطيع أن يكون ركيزة في هذا التحول ، فحين ينتصر الخطاب المتزن على الخطاب المسموم ، والصحافة النقية على تلك الصفراء ، ويُقدَّم الوعي على الإثارة ، عندها فقط يصبح الإعلام جسراً للتقارب ، لا أداة للفرقة ، ومساحة للفهم لا منصة لصب الزيت على النار . وفي ذلك تكمن رسالته الأسمى ومسؤوليته التاريخية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار