بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي

تداعيات الحرب وخيارات التسوية
بقلم الكاتبة الاعلامية سوسن الجزراوي
تشكل التسوية السياسية ، نقطة التحوّل الحاسمة بين الفوضى والاستقرار ، إذ تمثل الإطار الذي تُدار من خلاله الصراعات بوسائل سلمية وعقلانية .
وفي الحقيقة المطلقة ، فهي ليست خياراً انيقاً يتم اللجوء إليه عند الضرورة ، بل هي لحظة صادمة تشبه ضربة الصاعقة التي توقظ الأطراف من (( وهم )) الانتصار الذي يعيشون نشوته ، فحين تصل المجتمعات إلى حافة الانهيار ، وتصبح كلفة الاستمرار في الصراع أعلى من كلفة التنازل ، تظهر التسوية كحقيقة لا يمكن الهروب منها ، في تلك اللحظة ، يُدرك الجميع أن القوة وحدها لا تصنع استقراراً ، وأن الإقصاء لا يبني دولة ، وأن ما عجزت عنه سنوات من الصراع قد تفرضه جلسة صغيرة حول طاولة من الحوار .
ورغم أن هذه التسويات لا تكون مثالية في الغالب ، إلا أنها تعكس إدراكاً عميقاً بأن استمرار الصراع يكلّف الجميع أكثر مما يمكن تحمّله، وأن التنازل المتبادل حتى لو كان مؤلماً قد يكون الخيار الوحيد المتاح .
وتقوم التسويات السياسية في جوهرها ، على مبدأ تقاسم الخسارة بدلاً من السعي لتحقيق نصر كامل لطرف على حساب آخر ، هذا المبدأ رغم بساطته النظرية ، يصعب تطبيقه عملياً بسبب تعقيدات المصالح وتضارب الرؤى وانعدام الثقة ، فكل طرف يدخل إلى طاولة التفاوض وهو يحمل شكوكاً تجاه نوايا الطرف الآخر ، وغالباً ما يخشى أن يؤدي التنازل إلى إضعاف موقعه بدلاً من تقويته .
ومع ذلك، فإن غياب التسوية يعني بقاء حالة اللااستقرار ، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار المؤسسات أو تفكك الدولة على المدى الطويل .
وتعتمد فرص نجاح أي تسوية سياسية ، على عدة عوامل مترابطة ، أولها شمولية الاتفاق ، حيث ينبغي أن يضم أكبر عدد ممكن من الأطراف الفاعلة ، لأن استبعاد أي طرف مؤثر قد يدفعه إلى تقويض الاتفاق لاحقاً ، ثانياً ، وجود توازن نسبي في القوة بين الأطراف يسهم في جعل الاتفاق أكثر استدامة ، لأن فرض شروط قاسية من طرف قوي قد يولّد رغبة في الانتقام أو إعادة الصراع ، ثالثاً ، تلعب الضمانات دوراً مهماً ، سواء كانت داخلية عبر مؤسسات قوية ، أو خارجية من خلال دعم إقليمي أو دولي يضمن تنفيذ بنود الاتفاق .
إلى جانب ذلك ، لا يمكن إغفال أهمية القبول الشعبي للتسويات السياسية ، فحتى لو نجحت النخب في التوصل إلى اتفاق ، فإن رفض المجتمع له قد يؤدي إلى تعطيله أو إفشاله ، ( وهذا عادة ما يكون في المجتمعات الديمقراطية ) ، لذلك تحتاج التسويات إلى خطاب سياسي وإعلامي يهيئ الرأي العام لتقبّلها، ويشرح ضرورتها كخيار واقعي ، لا كتنازل مذل ، كما أن الشفافية في عرض بنود الاتفاق تساعد في بناء قدر من الثقة بين المواطن والدولة .
رغم هذه الشروط، تواجه التسويات تحديات كبيرة ، أبرزها خطر تحولها إلى نظام دائم من المحاصصة أو تقاسم النفوذ ، بدل أن تكون مرحلة انتقالية نحو بناء دولة مؤسسات ، كما أن الفساد قد يتغلغل في هذه الترتيبات ، مما يفقدها شرعيتها تدريجياً .
كذلك ومن من المهم أيضاً إدراك أن التسوية السياسية ليست نهاية الطريق ، واخر الحلول ، انما بدايته ، فهي تفتح الباب أمام عملية أطول تتعلق بإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وإصلاح المؤسسات ، وتحقيق العدالة ، ولو بشكل تدريجي ، و بدون هذه الخطوات ، تبقى التسوية مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي .
في النهاية ، يمكن القول إن التسويات السياسية تمثل خياراً براغماتياً في مواجهة الأزمات ، فهي لا تحقق العدالة الكاملة ولا تلبي كل التطلعات ، لكنها توفر فرصة لتجنب الأسوأ وبدء مسار نحو الاستقرار ، و نجاحها يعتمد على الإرادة السياسية ، ووعي المجتمع ، وقدرة الأطراف على تجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة ، وهو تحول صعب لكنه ضروري لأي استقرار .




